علي الجارم / مصطفى أمين
163
البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )
البحث : عرفنا في الباب السابق أن المخاطب إن كان خالى الذهن ألقى إليه الخبر غير مؤكّد ، وإن كان متردّدا في مضمون الخبر طالبا معرفته حسن توكيده له ، وإن كان منكرا وجب التوكيد ، وإلقاء الكلام على هذا النمط هو ما يقتضيه الظاهر . وقد توجد اعتبارات تدعو إلى مخالفة هذا الظاهر نشرحها فيما يأتي : انظر إلى المثال الأول تجد المخاطب خالى الذهن من الحكم الخاص بالظالمين ، وكان مقتضى الظاهر على هذا أن يلقى إليه الخبر غير مؤكد ، ولكن الآية الشريفة جاءت بالتوكيد ، فما سبب خروجها عن مقتضى الظاهر ؟ السبب أن اللّه سبحانه لما نهى نوحا عن مخاطبته في شأن مخالفيه دفعه ذلك إلى التطلع إلى ما سيصيبهم ، فنزل لذلك منزلة السائل المتردد ؛ أحكم عليهم بالإغراق أم لا ؟ فأجيب بقوله : « إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ » . * وكذلك الحال في المثال الثاني ، فإن المخاطب خالى الذهن من الحكم الذي تضمنه قوله تعالى : « إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ » غير أن هذا الحكم لما كان مسبوقا بجملة أخرى وهي قوله تعالى : « وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي » وهي تشير إلى أن النفس محكوم عليها بشئ غير محبوب ، أصبح المخاطب مستشرفا متطلعا إلى نوع هذا الحكم ، فنزّل من أجل ذلك منزلة الطالب المتردد ، وألقى إليه الخبر مؤكدا . انظر إلى المثال الثالث تجد المخاطبين غير منكرين الحكم الذي تضمنه قوله تعالى : « ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ » ، فما السبب إذا في إلقاء الخبر إليهم مؤكدا ؟ السبب ظهور أمارات الإنكار عليهم ، فإن غفلتهم عن الموت وعدم استعدادهم له بالعمل الصالح يعدّان من علامات الإنكار ، ومن أجل ذلك نزّلوا منزلة المنكرين وألقى إليهم الخبر مؤكّدا بمؤكّدين . وكذلك الحال في قول حجل بن نضلة ، فإن شقيقا لا ينكر رماح بنى عمه ، ولكن مجيئه عارضا رمحه من غير تهيؤ للقتال ولا استعداد له ،